الشيخ السبحاني
317
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
دماءهم وأموالهم إلّا بحقها ، وحسابهم على اللّه » « 1 » . وبذلك يظهر وجه حكمه صلى اللّه عليه وآله في السوداء بأنها مؤمنة . روى ابن حزم عن خالد بن الوليد أنّه قال : ربّ رجل يقول بلسانه ما ليس في قلبه ، فقال صلى اللّه عليه وآله : « إنّي لم أبعث لأشقّ عن قلوب الناس » « 2 » . وكيف يكتفي القائل بالتصديق اللساني ، مع أنّ صريح الكتاب على خلافه ، قال سبحانه : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ « 3 » والأعراب صدّقوا بألسنتهم ، وأنكروا بقلوبهم ، فرد اللّه عليهم بأنّكم لستم مؤمنين لأنّكم مصدّقون بألسنتكم لا بقلوبكم . الثالث : إنّ الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان مع العمل ، فالعمل عنصر حقيقي مقوّم للإيمان ، والفاقد له ليس بمؤمن بتاتا والقائلون بهذا هم الخوارج والمعتزلة « 4 » ، غير أنّ بينهما فرقا في المقام . فالخوارج يرون العمل مقوّما للإيمان ، فالمقرّ قلبا ولسانا إذا فقد العمل ، ارتكب الكبيرة ، فقد صار كافرا ، ولأجل ذلك يكفّرون مرتكب الكبيرة ، ويحكمون عليه بالخلود في النار ، إذا لم يتب . والمعتزلة ، مع أنّهم يرون العمل مقوّما للإيمان ، غير أنّهم لا يكفّرون تارك العمل ، ومرتكب الكبيرة ، بل يجعلونه في منزلة بين الإيمان والكفر ، والمكلف عندهم على ثلاثة حالات : إيمان ، إذا قام بالتصديقين ، وعمل بالوظائف . وكفر ، إذا فقد التصديق القلبي ، أو هو واللساني . ومنزلة بين المنزلتين ، إذا قام بالتصديقين ، ولكن فقد العمل .
--> ( 1 ) الفصل ، ج 3 ، ص 206 . ( 2 ) المصدر السابق نفسه . ( 3 ) سورة الحجرات : الآية 14 . ( 4 ) شرح الأصول الخمسة ، ص 139 .